محمد أبو زهرة
1477
زهرة التفاسير
والأمر الذي وجه للنبي صلى اللّه عليه وسلم في الشورى قال بعضهم إنه أمر إلزام ، وقال آخرون إنه بالنسبة للنبي صلى اللّه عليه وسلم ليس أمر إلزام ، بل طلب استحباب ، ولكن الأكثرين على أنه أمر إلزام ، بدليل التزام النبي صلى اللّه عليه وسلم للمشاورة في كل أمر يمس مصلحة المسلمين في السلم أو في الحرب ، ولم يكن تبليغا لرسالة ربه ؛ وإن أفعال النبي صلى اللّه عليه وسلم تعليم لنا . ومن المتفق عليه أن الشورى لازمة بالنسبة لغير النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولذلك قال تعالى : وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ . . . ( 38 ) [ الشورى ] أي الأمر الجامع للمسلمين يكون بالشورى وتبادل الآراء ، والتعاون والإخلاص في القول ، ولذا يقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الدين النصيحة ، قلنا : لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم » « 1 » . والنصيحة لعامة المؤمنين هي بالشورى التي تبدى فيها الآراء للّه وحده ، لا لشئ سواه ، ولا لطلب الجاه عند الناس . ولقد قال البخاري : « وكان الأئمة بعد النبي صلى اللّه عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها » « 2 » . ومع اتفاق الفقهاء على أن الشورى أصل من أصول الحكم في الإسلام لم نجد نصا قرآنيا وضع منهاجا لها ، ولم نجد النبي صلى اللّه عليه وسلم وضح أسسها وطرائقها ، نعم إنه كان يستشير من معه من أهل المدينة ، وكذلك كان يفعل الشيخان أبو بكر وعمر رضى اللّه عنهما ، فلما ذا لم يبين ذلك في كتاب ولا سنة ؟ والجواب عن ذلك أن مناهج الشورى تختلف باختلاف الجماعات وباختلاف الأحوال ، وباختلاف الموضوعات ولا يوجد نظام ضابط لكل ذلك ، بل ترك سن النظام للناس ، ولا بد أن يتحقق معنى الشورى في النظام على أن يكون أهل الشورى من ذوى العلم والخبرة ، ففي أمور الحروب يستشار أهل الحرب ، وفي أمور القانون يستشار الفقهاء
--> ( 1 ) رواه مسلم : الإيمان - الدين النصيحة ( 55 ) ، وذكره البخاري في الترجمة : الإيمان - الدين النصيحة ، كما رواه النسائي : البيعة - النصيحة للإمام ( 4126 ) ، والترمذي : البر والصلة - ما جاء في النصيحة ( 1849 ) عن تميم الداري رضي الله عنه . ( 2 ) من كلام البخاري في ترجمة باب : الاعتصام بالكتاب والسنة - ( باب قول اللّه تعالى : وأمرهم شورى بينهم ، وشاورهم في الأمر ) .